يشهد العالم المعاصر تغيرات عميقة في أنماط الإدارة والأنظمة التشريعية، مما دفع المؤسسات إلى تبني استراتيجيات تحول قانوني ومؤسسي تعزز قدرتها على التكيف مع المتغيرات وتعظيم كفاءة عملياتها. ويعد التحول القانوني إطارًا يهدف إلى تطوير البنى التشريعية والتنظيمية بما يضمن وضوح الأدوار، وفاعلية الأنظمة، وملاءمتها للمتغيرات الوطنية والدولية. ويرتبط هذا التحول بالضرورة بإعادة هندسة السياسات واللوائح، وتحديث آليات الامتثال، وتوجيه المؤسسات نحو بناء هياكل أكثر مرونة وعدالة واستدامة.
أما التحول المؤسسي فهو عملية شاملة تسعى إلى إعادة صياغة نموذج العمل في المنظمة عبر تحديث هياكلها التنظيمية، وتطوير قدراتها البشرية، واعتماد تقنيات حديثة تعزز الإنتاجية والجودة. ويرتكز هذا التحول على مجموعة من المبادئ مثل التركيز على القيمة، وتمكين العاملين، والارتقاء بمستوى العمليات، والنقل التدريجي من الممارسات التقليدية إلى نماذج أكثر ابتكارًا. ويتطلب التحول المؤسسي قيادة واعية تمتلك القدرة على توجيه التغيير، وإدارة مقاومة التحول، وبناء ثقافة تنظيمية قادرة على احتضان التطوير المستمر.
التحول المؤسسي قيادة واعية تمتلك القدرة على توجيه التغيير، وإدارة مقاومة التحول، وبناء ثقافة تنظيمية قادرة على احتضان التطوير المستمر.
أ.د حمد العمران
وترتبط مسارات التحول القانوني والمؤسسي ارتباطًا وثيقًا، حيث يوفر التحول القانوني البيئة التشريعية والتنظيمية الداعمة التي تُمكّن المؤسسات من تنفيذ خطط التحول الداخلي بفعالية، بينما يسهم التحول المؤسسي في تفعيل تلك الأطر القانونية على أرض الواقع عبر تحسين الممارسات والإجراءات والعمليات. ومن خلال هذا التكامل، تستطيع المؤسسات رفع مستوى الامتثال، وتقليل المخاطر، وتعزيز الثقة لدى أصحاب المصلحة، الأمر الذي يسهم في تطوير بيئة أعمال تنافسية ومستدامة.
وتبرز أهمية التحول القانوني والمؤسسي في ظل التحديات التي فرضتها العولمة، والتقدم التقني، ومتطلبات الحوكمة الرشيدة، وتنامي دور البيانات والتحول الرقمي. وفي هذا السياق، تتجه العديد من الدول والمؤسسات إلى تبني مبادرات شاملة لتحديث تشريعاتها، وتطوير نماذج التشغيل، واعتماد أنظمة رقمية تتيح إدارة فعالة للعمليات القانونية والإدارية. كما أصبح تعزيز الكفاءات المتخصصة في القانون، والحوكمة، وإدارة التغيير، عنصراً أساسياً لضمان نجاح مشاريع التحول.
إن التحول القانوني والمؤسسي يمثل مسارًا استراتيجيًا يمكّن المؤسسات من تحقيق جاهزية عالية للمستقبل، وبناء أنظمة عمل أكثر كفاءة وشفافية واستدامة. ولا يقتصر هذا التحول على تعديل اللوائح أو تحديث الهياكل، بل يمتد ليشمل إعادة صياغة الذهنية المؤسسية نحو الابتكار، وتطوير نماذج عمل قادرة على مواكبة التغيرات المتسارعة، وتوفير قيمة مضافة للمجتمع والاقتصاد.

